ابن عطية الأندلسي

524

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

العين كخطاف والأصوات في الأكثر تجيء على فعال بتخفيف العين كالبكاء والصراخ والدعاء والجؤار والنباح ونحوه وروي عن قتادة أن المكاء صوت الأيدي وذلك ضعيف وروي عن أبي عمرو أنه قرأ إلا مكا بالقصر والتصدية عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق وقتادة بأنه الضجيج والصياح وسعيد بن جبير بأنها الصد والمنع ومن قال التصفيق قال إنما كان للمنع عن ذكر الله ومعارضة لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن والتصدية يمكن أن تكون صدى يصدى إذا صوت والصدى الصوت ومنه قول الطرماح يصف الأروية ( لها كلما ريعت صداة وركدة * بمصران أعلى ابني شمام البوائن ) الطويل فيلتئم على هذا الاشتقاق قول من قال هو التصفيق وقول من قال الضجيج ولا يلتئم عليه قول من قال هو الصد والمنع إلا أن يجعل التصويت إنما يقصد به المنع ففسر اللفظ بالمقصود لا بما يخصه من معناه ويمكن أن تكون التصدية من صد يصد استعمل الفعل مضعفا للمبالغة والتكثير لا ليعدى فقيل صدد وذلك أن الفعل الذي يتعدى إذا ضعف فإنما يضعف للتكثير إذ التعدي حاصل قبل التضعيف وذلك نحو قوله * ( وغلقت الأبواب ) * والذي يضعف ليعدى هو كقولهم علم وغرم فإذا قلنا في صد صدد ففعل في الصحيح يجيء مصدره في الأكثر على تفعيل وفي الأقل على تفعله مثل كمل تكميلا وتكملة وغير ذلك بخلاف المعتل فإنه يجيء في الأكثر على تفعلة مثل عزى وتعزية وفي الشاذ على تفعيل مثل قول الشاعر ( باب ينزي دلوه تنزيا * ) الرجز وإذا كان فعل في الصحيح يتسق فيه المثلان رفض فيه تفعلة مثل قولنا تصدية وصير إلى تفعيل لتحول الياء بين المثلين كتخفيف وتشديد فلما سلكوا مصدر صدر المسلك المرفوض أصلح ذلك بأن إبدال أحد المثلين ياء كبدلهم في تظننت ونحوه فجاء تصدية فعلى هذا الاشتقاق يلتئم قول من قال التصدية الصد عن البيت والمنع ويمكن أن تكون التصدية من صد يصد بكسر الصاد في المستقبل إذا ضج ويبدل أيضا على هذا أحد المثلين ومنه قوله تعالى * ( إذا قومك منه يصدون ) * بكسر الصاد ذكره النحاس وذهب أكثر المفسرين إلى أن المكاء والتصدية إنما أحدثها الكفار عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقطع عليه وعلى المؤمنين قراءتهم وصلاتهم ويخلط عليهم فكان المصلي إذا قام يقرأ من المؤمنين اكتنفه من الكفار عن يمينه وشماله من يمكو ويصدي حتى تختلط عليه قراءته فلما نفى الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض معترض بأن يقول وكيف لا نكون أولياءه ونحن نسكنه ونصلي عنده فقطع الله هذا الاعتراض بأن قال وما كان صلاتهم إلا المكاء والتصدية وهذا كما يقول رجل أنا أفعل الخير فيقال له ما فعلك الخير إلا أن تشرب الخمر وتقتل أي هذه عادتك وغايتك قال القاضي أبو محمد والذي مر بي من أمر العرب في غر ما ديوان أن المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء وبينهما أربعة أميال وعلى هذا يستقيم تعييرهم وتنقصهم بأن شرعهم